محمد أبو زهرة

1966

زهرة التفاسير

النبي الملك القائد الذي أدخل نفسه في زمرة العمال ؛ إذ كان لا يأكل إلا من عمل يده . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ هذا بيان إجمالى يقرر أن الله تعالى أرسل رسلا كثيرة ، قد قص بعضهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر لم يقصه ، والقص تتبع الأثر يقال قصصت أثره ، ثم أطلق على الأخبار المتتابعة ، ونرى هنا أن ( قص ) متعدية ، مفعولها المذكور من أخبارهم ، والمعنى على هذا في النص تتبعنا آثارهم وأخبارهم التي يكون في ذكرها عبرة لأولى الألباب ، وليكون ضرب الأمثال للنبي صلى الله عليه وسلم في صبرهم ، وإيذاء أقوامهم لهم ، وإن الرسل الذين قصهم الله تعالى على نبيه من قبل كان في السور المكية ، فإنها مملوءة بأخبارهم وفيه ذكرى النبوات الأولى السابقة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . وإن أكثر هؤلاء الذين قص الله تعالى أخبارهم ممن كانوا في البلاد العربية أو يجاورونها ، أو كانت له صلة بالنبي صلى الله عليه وسلم في نسب ، أو كان الذين يدعون اتباعهم يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويمارون في دعوته . وليست النبوة مقصورة في هؤلاء ، إنما هناك نبوات ورسالات أخرى كانت في الأمم البعيدة مثل الصين والهند ، وغيرها من الأراضي التي سكنها أقوام كثيرون ، وليس لنا إلا أن نفرض أن رسلا بعثوا إلى هؤلاء الأقوام ؛ لأن الله تعالى يقول : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة ] ولا شك أن تركهم من غير نبي مبعوث ترك لهم سدى ، وذلك ما نفى الله تعالى في استنكار أن يقع ، وقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] . ولذلك قال تعالى في هذا النص الكريم الذي نتكلم في معناه وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ ونصبت « رسلا » على الاشتغال أي نصبت بفعل قد تضمن معناه الفعل الذي ولى المنصوب ، والمعنى قصصنا رسلا من قبل : وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ ويكون الابتداء بذكر الرسل والاهتمام بهم لأنهم المقصودون ، وأخبارهم وقصصهم جاء تبعا لهم وختم الله النص بقوله تعالى :